سوريا.. بين التحديات الداخلية والتدخلات الدولية

المنطقة بعد سقوط نظام بشار الاسد

يشهد الواقع السياسي في سوريا حالة من التوتر والتعقيد نتيجة للصراعات الداخلية المستمرة والتدخلات الإقليمية والدولية، مما أدى إلى تقسيم البلاد بين قوى متعددة تخطط كل منها لتحقيق مصالحها الخاصة، وفي ظل غياب الاستقرار السياسي والتوافق الداخلي، يبقى المستقبل السياسي لسوريا غير واضح، مع استمرار التحديات الكبيرة على المستويين المحلي والدولي.

سقوط نظام الأسد: تساؤلات متعددة

تعد الأزمة السورية واحدة من أكثر النزاعات تعقيداً في العصر الحالي، حيث تتداخل فيها الصراعات السياسية الداخلية مع التدخلات العسكرية والإقليمية والدولية، كما شهدت الأوضاع في البلاد تحولاً جذرياً بعد انهيار النظام السوري الذي حكم البلاد بقبضة من حديد على مدار عقود طويلة.

ومن جانبها تقول الدكتورة عقيلة دبيشي خبيرة الشؤون الدولية ومديرة المركز الفرنسي للدراسات الدولية، إن الأحداث الأخيرة في سوريا تمثل منعطفاً تاريخياً يحمل في طياته الكثير من الأسئلة حول مصير البلاد ومستقبلها في ظل التغيرات الجذرية التي طرأت على المشهد السياسي والعسكري.

وأشارت دبيشي في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia، إلى أن سقوط نظام بشار الأسد جاء بسرعة كبيرة وغير متوقعة، مما يثير تساؤلات حول الأطراف التي لعبت دوراً رئيسياً في هذا التغيير.

وأكدت أن الخروج المفاجئ للأسد من المشهد لم يكن محض صدفة، بل هو نتيجة ترتيبات دولية، خصوصاً من الجانب الأميركي ، في إطار محاولات إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالح القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل.

سوريا بعد الأسد.. احتفالات التحرير ومخاوف من فراغ سياسي

الواقع السياسي في سوريا

رغم الهدوء النسبي الذي أعقب سقوط النظام، ترى دبيشي أن هذا الهدوء مؤقت وقد يخفي وراءه صراعات داخلية أكبر، حيث تبرز تساؤلات حول مدى قدرة الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام (الذي كان يعتبر إرهابياً مطلوباً من قبل الغرب)، على قيادة المرحلة القادمة في ظل وجود عشرات الفصائل المسلحة المتناحرة، هذا التحول في موقف الغرب تجاه الجولاني يعكس تناقضات السياسة الدولية، حيث يتحول \”الإرهابي\” إلى \”شريك محتمل\” بناءً على المتغيرات الجيوسياسية.
أشارت دبيشي إلى أن التحركات الأميركية والإسرائيلية في سوريا تهدف بالأساس إلى تقليص النفوذ الإيراني وحزب الله في المنطقة، وسقوط نظام الأسد يعتبر خطوة استراتيجية في هذا الإطار، مما يتيح لإسرائيل التوسع والسيطرة على مناطق جديدة على حساب سوريا ولبنان، مع احتمالية امتداد النفوذ إلى العراق، كما أكدت أن هذا الوضع يعكس مشروعاً أميركياً أوسع لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.

التناقضات العربية والغربية

تحدثت الدكتورة عقيلة دبيشي، عن التحولات في المواقف العربية تجاه سوريا، حيث بدأت بعض الدول تعيد فتح سفاراتها وتطبيع العلاقات مع دمشق، رغم إداناتها السابقة لنظام الأسد باعتباره \”مجرم حرب\”. هذا التناقض يعكس، من وجهة نظرها، المصالح الضيقة التي تحكم السياسة الإقليمية والدولية.

وأردفت دبيشي، الدعم الذي تلقاه نظام الأسد من إيران وروسيا وحزب الله كان عاملاً حاسماً في بقائه لسنوات، لكن التحولات الأخيرة كشفت هشاشة هذا الدعم، فروسيا التي كانت أحد أبرز حلفاء الأسد، بدأت تخفف من دعمها لسوريا نتيجة انشغالها بالحرب في أوكرانيا وصفقاتها مع الولايات المتحدة. هذه الصفقات تهدف، إلى تحقيق مكاسب روسية في أوكرانيا مقابل ترك الساحة السورية للقوى الأخرى.

اقتصاد سوريا: من انهيار النظام إلى آفاق إعادة الإعمار

إعادة تقسيم الشرق الأوسط

اختتمت الدكتورة عقيلة حديثها بالتأكيد على أن ما يجري في سوريا ليس سوى جزء من مشروع أميركي لإعادة تقسيم الشرق الأوسط، فالفصائل المسلحة التي تتصدر المشهد اليوم هي أدوات لهذا المشروع، حيث يتم استخدامها لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، أما إسرائيل فهي المستفيد الأكبر من هذه التحولات، حيث تتوسع نفوذها في المنطقة دون مواجهة معارضة حقيقية.

وعبّرت الدكتورة عن تشاؤمها إزاء مستقبل سوريا والمنطقة ككل، مشيرة إلى أن الأوضاع مرشحة لمزيد من التعقيد في ظل استمرار التدخلات الأجنبية والصراعات الداخلية. وأكدت أن العرب مطالبون باتخاذ مواقف أكثر استقلالية إذا أرادوا حماية مصالحهم في ظل هذا المخطط الدولي الكبير.

من جانبه قدم الدكتور أحمد عناني، المحلل السياسي،  رؤيته حول الوضع الراهن وآفاق استقرار سوريا في المستقبل، مؤكدًا أن المشهد السوري الحالي معقد للغاية، حيث باتت التدخلات السياسية الدولية والإقليمية تلعب دوراً محورياً في تشكيل الواقع الداخلي. الأطراف الفاعلة في سوريا ليست فقط قوى محلية بل تشمل دولاً كبرى وجماعات مسلحة متباينة المصالح والأهداف، مما يجعل الملف السوري بالغ التشابك والصعوبة.

أشار  عناني إلى أن الأزمة السورية لا يمكن اختزالها فقط في الصراعات المسلحة أو التناحر السياسي، فالمجتمع السوري بتعدد طوائفه وأيديولوجياته، يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في ضرورة تحقيق توافق سياسي يشمل كافة الأطياف، من اليساريين إلى الليبراليين وممثلين عن مختلف المكونات العرقية والدينية. ورغم إعلان بعض الأطراف كالجولاني وزعيم الحكومة المؤقتة استعدادهم لإطلاق عملية سياسية، إلا أن غياب الرؤية الواضحة حول مستقبل البلاد يجعل من الصعب الحكم على هذه العملية في الوقت الراهن.

المصالح الدولية والإقليمية في سوريا

ويرى عناني أن الدور التركي في الداخل السوري مثالٌ واضح على التأثيرات الخارجية في الصراع، فتركيا التي تدعم بعض الفصائل المسلحة، تخطط لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

وأكد الدكتور عناني أن هذه الفصائل، رغم وصول بعضها إلى مراكز قيادية، تفتقر إلى الخبرة السياسية اللازمة لإدارة الدولة. كما أن تصنيف بعض هذه الفصائل كإرهابية، مثل هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً)، يضيف تعقيداً جديداً إلى المشهد.

أوضح  عناني أن تأثير الأزمة السورية يمتد إلى دول الإقليم،،فغياب الاستقرار في سوريا يؤدي إلى حالة من التوتر والاضطراب الإقليمي، خاصة مع تداخل المصالح الإقليمية والدولية. كما أن عدم وضوح شكل الدولة السورية المستقبلية يترك العديد من التساؤلات حول الهوية الوطنية والدستور وشكل الحكم، سواء كان مدنياً أو عسكرياً.

أما عن مستقبل الدولة مدنية أم عسكرية، شدد  عناني  على أن الإجابة على هذا السؤال تظل مبهمة في ظل غياب التفاهمات بين الأطراف المتنازعة، فبينما تخطط بعض القوى إلى تكريس هوية وطنية جامعة تحمي مدنية الدولة، لا تزال الفصائل المسلحة ومصالح القوى الخارجية تشكل عائقاً أمام تحقيق هذا الهدف.

اقرأ أيضًا: العقوبات والاقتصاد السوري.. هل ينقذ سقوط النظام ما تبقى؟

التحديات المستقبلية لسوريا

اختتم عناني حديثه بالتأكيد على أن الأولوية في المرحلة القادمة يجب أن تكون لتحقيق توافق وطني داخلي، قائم على التفاهمات السياسية بين كافة الأطراف، وهذا التوافق لا يخدم فقط مصلحة سوريا، بل ينعكس إيجاباً على استقرار المنطقة بأكملها. ورغم الصعوبات الحالية، يظل الأمل معقوداً على قدرة الشعب السوري على تجاوز هذه المرحلة الحرجة وبناء دولة حديثة قادرة على استعادة دورها الإقليمي والدولي.

واختتم الخبير تصريحاته قائلاً : \”تبقى الأزمة السورية مثالاً واضحاً على تعقيد الصراعات المعاصرة، حيث تتداخل المصالح المحلية والدولية في صراع لا تبدو نهايته قريبة، ومع ذلك يظل الحل السياسي الشامل هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار\”.

حلب بين الحرب والاقتصاد: كيف أثرت الأزمات على العاصمة الصناعية لسوريا؟
تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading